محمد خير رمضان يوسف

52

تتمة الأعلام للزركلي

الجليل ، الذي لم أتتلمذ على أستاذ سواه ، ولم أتربّ على يد شيخ غيره : علوان ، ابن شيخ إبراهيم حقي ، ابن حسين العلواني . وهو حسيني النسب ، يصل نسبه إلى الحسين بن علي رضي اللّه عنه ، شافعي المذهب . صحبته منذ أول دراستي الجامعية سنة 1395 ه ، حيث زرته بصحبة زميلي عبد الرحمن محيي الدين أحمد ، في قريته « حلوة » . وسأل عن دراستي فقلت : الشريعة . فتهلّل وجهه أيّما تهلّل ، وقال : واللّه إنها بشرى خير . وذلك أني كنت الأول والوحيد الذي سجّل الشريعة من بلدتي « القحطانية » التي كان يبلغ عدد سكانها آنذاك حوالي 12 ألف نسمة . وكان شيئا غريبا ونادرا أن يسجل المرء في هذا « التخصص » ! ! ثم ترددت عليه كثيرا ، وكان يكثر من النصح والإرشاد ، وبيان الآداب والسلوك ، ويخفف من « الحدّة » التي اتصفت بها في سن الشباب ، التي كانت تتجاوز أحيانا الحكمة المطلوبة ، في مجتمع يتطلب فيه الحلم والرفق ، وخاصة أنني نشأت في بلد ليس فيه علماء ، وهو أحوج ما يكون إلى الدعوة ، ليعرف الناس دينهم ، ولا يتشتتوا بين الأحزاب السياسية والقومية المقيتة ، التي تفرّق المسلمين عن بعضهم البعض ، وتدع المرء عدوا لأبيه وأخيه ، بينما الدين يدعو إلى التكافل والمحبة والإخاء وصلة الرحم . . ولم أدرس عنده أيا من العلوم الشرعية ، بل كان ترددي عليه في مجالس العلم والوعظ والآداب والنصح والإرشاد ، وكان يراجع لي بعض ما أكتب ، ويشجعني كثيرا على الكتابة ، وكتب مقدمة لكتابي الأول « الخضر بين الواقع والتهويل » في طبعته الأولى ، الذي بدأت به سنة 1398 ه ، وصدر عام 1404 ه . وقد أهديت إليه الكتاب رسميا ، في ورقة خاصة قبل المقدمة ليطبع ، ولكنه صدر بدون الإهداء المذكور ، فندمت على ذلك ، وذكرت له الخبر ، ثم أهديت إليه أول كتاب حققته : « الحذر في أمر الخضر » للملا علي القاري ، وصدر مطبوعا . . نعم . . تتلمذت عليه من غير تصوف ، فلست بصوفي ، وإن كنت محبا لصفاء القوم ، وسلوكهم التربوي الصحيح . . بل كان العهد الذي بينه وبيني هو : « الطاعة تجمعنا والمعصية تفرقنا » . وقد نلت من يديه إجازة تصل في سندها إلى الإمام النووي رحمه اللّه ، ومنه إلى أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه . أفدت منه ، واستفدت من أسلوبه التربوي ، الذي اتسم بالرفق واللين والكلام الطيب ، والحلم والوجاهة والسداد . . وكان لا يغتاب أحدا ، ولا يسمح لأحد بالغيبة عنده ، وهذا طوال ما رأيته . . وكان أكثر ما رأيت عليه من هم وقلق أثناء أحداث حماة بسورية ، فكان واسطة خير في الجزيرة الفراتية ، يراجع الدوائر الحكومية الأمنية من أجل بعض شباب الجزيرة لإطلاق سراحهم ، وكان يتكفل بعضهم ، فقط لإطلاق سراحهم ، وكان يدعو ليل نهار . وقد رأيت من فضله وتقواه الكثير . ورأيت له كرامات بعيني ، فرحمه اللّه رحمة واسعة ، وأجزل مثوبته يوم الدين . ولن أوفي حقّ شيخي مهما كتبت فيه ، وقد تلعثم لسان القلم طويلا ، وبقي عييا أشهرا ، ولم يسعفني إلا بما كتبت . ولم يخفف من حرقة القلب ما أسلت عليه من دموع لينطلق القلم فيه أكثر من هذا ، وإنا للّه وإنا إليه راجعون . وترك من الأبناء الأخ الحبيب ، والأستاذ الجليل الدكتور أحمد معاذ حقي ( أبو محمد ) ، أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة ، الذي فجع قبل وفاة والده برحيل والدته أيضا ، فكان صبورا محتسبا ، وهو نعم الأخ الصادق الوفي . . وهو يعمل مدرسا في الجامعات السعودية . ثم الشيخ عبد الملك ( أبو عمر ) الاجتماعي اللبيب ، الخطيب في جامع الغزالي بناحية القحطانية ، والحبيب الحنون ياسر ، الذي سمعت شيخي يقول فيه : هو أشبه أولادي بي خلقا ، فقيل له : وخلقا يا شيخنا ؟ فقال : أرجو ذلك . ثم أصغرهم حسان المحترم ، بالإضافة إلى شقيقتهم الكبرى ( أم عبد السميع ) . وقد كتب أستاذي الشيخ خاشع ترجمة لشقيقه ، شيخي المترجم له ، وهي كما يلي : تلقى دراسته الابتدائية في العراق ، ونال شهادتها عام 1358 - 1359 ه من مدرسة الفلاح بالموصل . تربى في بيت علم وتقوى ، وكان أول ما تلقى عن والده الذي كان منارا للعلم وعلما من أعلامه ، فنشأ في رياض الفضائل والقيم الأخلاقية النبيلة ، وترعرع على الصدق والعبادة والأمانة منذ نعومة أظفاره حتى بلغ مرحلة الشباب ، فأرسله والده في الأربعينات إلى دمشق لدراسة العلم الشرعي برفقة أخيه الشيخ عدنان ، ثم لحق بهما أخوهما خاشع . حصل على الثانوية الشرعية عام 1379 ه ، وانتسب إلى كلية الشريعة بدمشق ، وتخرج منها عام 1384 ه ثم تعاقد مع السعودية ودرّس في بلدتي بلجرشي والباحة من بلاد غامد في الجنوب خمس سنوات ، ثم تقدم إلى مسابقة انتقاء المدرسين في وزارة التربية في سورية ، فتعين مدرسا عام 1392 ه ، ولكنه استقال من التدريس في العام نفسه ، إذ توفي أخوه الأكبر الشيخ محمد زكي - رحمه اللّه تعالى - الذي كان يشغل منصب والده ، فجلس الشيخ علوان مكانه ، حيث أضحى من بعده شيخا للطريقة في الجزيرة الفراتية بسورية ، وسكنه بقرية حلوة ، التي تبعد عن مدينة القامشلي 20 كم . وقد بقي في هذا المنصب من عام 1392 - 1412 ه أي عشرين سنة تقريبا ، وكان - رحمه اللّه - يعمل خلالها بجد ونشاط دائبين إلى أن وافاه أجله في دمشق إثر نوبة قلبية حادة ، حيث كان يشكو من الربو .